في السماوة.. صبية وفتيان بعمر الزهور يحيون الشعائر الحسينيّة بطريقتهم الخاصة
في شهر المحرّم الحرام، ينصب صبية وفتيان بعمر الزهور خياماً صغيرة وهياكل مسقّفة مصنوعة من الاخشاب او (الجريد) يتخذونها منطلقاً للتعبير عن المساهمة في احياء الشعائر الحسينيّة.
رافد وكرار وحسين أطفال من محلة الغربي في مدينة السماوة قاموا منذ أيام، وقبل انطلاق فعاليات احياء الشعائر، بجمع اخشاب وأقمشة فائضة لتشييد موكب العزاء على رصيف أحد شوارع المدينة قبل التوجه إلى شارع المواكب الحسينيّة (باتا) للمشاركة في مسيرات العزاء مع موكب اشبال الحسين (ع) والذي يضم أطفالا من اعمار متقاربة.
وقال الطفل كرار إنّه اعتاد على احياء شعائر العزاء الحسيني منذ السنوات الأولى من عمره، اذ يرافق والده إلى المواكب الحسينيّة التي تدور المدينة عصراً، وبعد صلاة العشاء يتوجه أيضا لحضور مجالس العزاء التي تقام في الحسينيات.
وأضاف «اشعر بالاعتزاز لأننا شيدنا موكباً خاصاً بنا لنقترب به إلى الله سبحانه وتعالى لنقدم العزاء إلى اهل البيت (ع) بذكرى واقعة الطف الأليمة».
ولا تقتصر مشاركة الأطفال على مواكب العزاء وانما يسهمون في خدمة المعزين والمؤدين للشعائر الحسينيّة عبر توزيع الأطعمة والمشروبات او المشاركة في اعمال التنظيف او نشر ورفع مفروشات المجالس، وهي جهود تطوعية تأتي في سبيل التقرّب إلى الله سبحانه وتعالى من خلال خدمة المؤدين للشعائر الحسينيّة.
وأمام هذه الصورة الجليّة عن المشاركة الطفوليّة في احياء الشعائر الحسينيّة نجد جيلاً جديداً من الرواديد الحسينيين من صغار السن الذين اجادوا أداء القصائد الحسينيّة بعد أن حفظوها عن ظهر قلب، ما دفع بأصحاب المواكب الحسينيّة للاستعانة بهم اثناء تسيير مواكب العزاء.
الشيخ احسان السماوي، الذي يتولى إدارة مؤسسة العين الخيريّة، قال ،: إنّ «أيام محرم الحرام على ما فيها من الحزن والآلام تبقى أيام عطاء تمثّل بالدم والشهادة والإصلاح في جميع جوانب الحياة»، مضيفاً، إنَّ «مشاركة الاطفال بهذا الدور مهمة جداً، لأن محرم هو موسم عطاء وبذل لكل فرد من افراد المجتمع»، وهو بذلك لم يستبعد دور الأطفال في المشاركة في هذا الركن الديني والتثقيفي والمجتمعي وهو ركن من الشعائر الحسينيّة.
ويستمر الأطفال السماويون في المشاركة اليوميّة بإحياء الشعائر الحسينيّة عصرا والحضور في المجالس الحسينيّة بعد صلاة العشاء حتى ليلة العاشر من محرم الحرام، اذ يبقى الكثيرون منهم مستيقظين طوال الليل تأسيا منهم بالامام الحسين (ع ) والذي تقول الروايات إنّه بقي ساهراً ليله للتحضير للمعركة والمواجهة مع القوى المعادية لنهضته.
واستعداداً لهذه الليلة فإنَّ الأطفال رافد وكرار وحسين وآخرين معهم قد استعدّوا منذ شهر او اكثر، اذ قاموا بجمع مصروفهم اليومي لشراء الكعك من اجل توزيعه في موكبهم الصغير بين المارّين من المحيين لليلة استشهاد الامام الحسين(ع)، وعن ذلك يقول الطفل حسين فايق «سنبقى ساهرين طوال الليل مثل عيال الامام الحسين (ع)، ثم نتوجه إلى ساحة واقعة الطف للمشاركة في التشابيه الحسينيّة التي تُقدّم صباح العاشر من محرم الحرام».
أول الحسرات
يمر احد المواكب من امام منزل الطفل احمد يوسف ذي التسعة اعوام، ليشد انتباهه بشكل كامل، ويفقد السيطرة على مشاعره وافعاله، انها المرة الأولى التي يرى فيها هذا المشهد حيا امامه ويستوعبه بنضوجه المبكر، وتلتصق راحة كفه بالأخرى، ويريد المشاركة، وكل امنياته أن يكون مع هذه الموجة التي تزحف نحو اللا معروف، فهو لا يعرف الى اين يتوجهون، او اين مسيرهم ولماذا، الا انه ما ان رأى راياتهم وقد خط عليها اسم الامام الحسين (ع)، الا وقد علم الى اين السبيل، «يا حبيبي يا حسين» نطقتها شفتا احمد بلا تردد، واراد قلبه المسير قبل اقدامه، والتحقت روحه بهذا العزاء المتحرك، والتصقت قبضته بالأعمدة التي ربطت عليها الرايات، لم يفهم احمد كل العبارات، فتلك التي تقول «هيهات منا الذلة» وأخرى تقول «يا لثارات الحسين»، أراد المعرفة ليتحرك، لا يهم فقلبه يريد الامتزاج مع هذه الصيحات، واجب كان يناديه من بين تلك الصفوف، إن اقبل معنا لنعزي سيد الشهداء ونندبه، ونعيد احياء اطفاله وعياله بصيحاتنا واناشيدنا وحزننا كأطفال، ولأننا المستقبل، كان لابد من أن نصبو نحو بوابة الإصلاح كما كان سيدنا وقدوتنا الحسين (عليه السلام) وان نجدد العهود كل عام في حبه ومسيرته الخالدة.
ماذا عن الكبار؟
إحياء الشعائر الدينيّة في شهر المحرم الحرام بات من الممارسات التي يحرص على اقامتها المؤمنون في كل مكان، وفي محافظة المثنى فإن فعاليات الاحياء لا تختلف كثيراً عن مثيلاتها في المدن الأخرى، فالكلمة الحسينيّة وصلت إلى كل مكان، وتعبيراً عن عمق الحزن بذكرى عاشوراء ومن اجل اظهاره مجسماً في عيون المتلقين فإن مدينة السماوة ومدن المحافظة الأخرى تتشح بالسواد الذي يعمق الحالة الوجودية المتصلة بهذه الشعيرة، اتشاح يرفع من اللون الأسود كرمز للحزن إلى راية للنصر، نصر المقتول على القاتل والدم على السيف والحق على الباطل، فالحسين (ع) عبر ثورته اعطى دلالة أخرى للسواد والاتشاح به.
ومن اهم ما يميز تلك الايام الحسينية وابرز طقوسها هو احياء ليلة العاشر (ليلة الحجة) وطبخ القيمة والتطبير والخروج بدستات منظمة وهتافات حسينية، بالإضافة الى مواكب اللطم والزنجيل وقراءة المقتل.
طقوس السبعينيات
يحدثنا التدريسي عقيل عبدالحسين عن ما يحتفظ به من عادات تلك الايام في قضاء الخضر 30 كم جنوب محافظة المثنى «كنا صغارا، نتوسل بالكبار من أهالينا أو معارفنا للتوسط عند المرحوم الحاج خضير آل حمود من أجل أن نحظى بزنجيل من الوزن الخفيف يضمن لنا المشاركة في موكب الزنجيل آنذاك، اذ ان الزناجيل الثقيلة كانت محجوزة لكبار (اللطامة) أمثال المرحوم نعيم آل عويز، وشيخ زغير، وحسن آل خشوش وغيرهم.
واضاف «عصر كل يوم من أيام عشرة محرم، يتجمع المشاركون في موكب الزنجيل في صحن الامام الخضر عليه السلام، وما أن تكتمل حشود المعزين، وتوزع الردات، «يلف» الموكب بكذا لفه حول الضريح، ثم ينطلق من الباب المجاور لـ گهوة المرحوم گهو، متخذاً من الدرابين مسلكاً له»، اذ يأخذ الموكب مساره باتجاه بيت الحاج مطرود، ثم يأخذ مساره خلال «العجد» المار من أمام بيت المرحوم عبد الزهرة الخنتكاري، وبيت المرحوم شريف آل عباس حتى دكان المرحوم خضوري ثم ينعطف يساراً باتجاه بيت آل جوير، ثم بيت المرحوم الشيخ محسن الى أن يصل الى تقاطع السوگ القريب من بيتنا وبعدها يتجه صوب «الربضة» حيث يلف داخلها كذا «لفة» ثم يعود بالمسار نفسه ولكن هذه المرة من خلال (السوگ) الى أن يصل الى مقام الامام الخضر عليه السلام حيث نهاية العزاء وتكون هذه هي خريطة سير موكب الزنجيل آنذاك، اما مواكب (اللطم) فكان للقضاء آنذاك موكبان فقط، هما (موكب عزاء الغربي، وموكب عزاء الشرقي) وفي كل ليلة من الليالي العشرة، ينطلق موكب الغربي أولاً، اذ التجمع يكون في بيت المرحوم الحاج «مجيبل» على شكل (دستات) وكل دسته يتوسطها حامل «اللوكس» لينير لها الطريق، اذ يكون مسار العزاء
كالتالي: بعد أن يتحرك من بيت الحاج مجيبل، يتخذ مساره من أمام بيت المرحوم حسن آل حكم، ثم آل ضيدان، مروراً من امام محل عبد والي ويوسف النداف ثم يصل السوق الحالي الممتد من جامع سيد هادي الى بداية الجسر، ويتجه صوب تجمعه النهائي في الساحة الواقعة الان ما بين مطعم حسين والمحال المقابلة، اذ عندها يرتقي المنبر الرادود المرحوم جبار آل ساچت، وما أن ينتهي موكب عزاء الغربي، حتى ينطلق موكب عزاء الشرقي من بيت المرحوم الحاج جاسم آل علو، وبعدها انتقل التجمع الى بيت المرحوم مسلم آل مطلگ، متخذاً مسار موكب الزنجيل نفسه من «الربضة باتجاه السوق» الا أن التجمع النهائي يكون بالقرب من «گهوة المرحوم حسين آل شيخ علي القريبة من القيصرية».
ليلة «الطبگ» او «الحجة»
اما عن ليلة العاشر من المحرم، فيحدثنا رحمن علو «تزدحم شوارع وأزقة القضاء بالمعزين، اذ تتوافد عشائر القضاء للمدينة، ويتخذون من الحسينية مكاناً لهم للتجمع والمبيت، ولاننا كنا صغارا وقتها فقد كانت لنا طقوس خاصة، اذ نشكل مجاميع صغيرة تتفق بينها على قضاء (الحجة) في بيت احدنا، ونجهز لذلك وفي غفلة من أهلنا «الجگاير» ظناً منا بانها تعيننا على السهر!».
وأضاف علو «في فجر العاشر من المحرم وفي بيت المرحوم سيد هاشم آل سيد محسن ينشغل المرحوم الحاج فجر بضرب هذا وتشجيع ذاك إيذاناً بـ (التطبير) ليبدأ بعدها موكب «الشخصين او التطبير» حيث ينتهي في حمام المرحوم الحاج عباس الحممچي، حيث يغتسل ويستحم «المطبرون» وختام تلك المراسيم يكون من خلال عملية (التشابيه) اذ ينطلق «جيش الكفار» من بيت مسلم آل مطلگ باتجاه «الروف» وصولاً الى مكان التمثيل ما بين (علوة المرحوم حميد المختار الى القيصرية ومقهى المرحوم ابو عصام)، أما «جيش» أنصار (الحسين عليه السلام) فينطلق من بيت المرحوم «سيد ادريس الياسري» باتجاه المكان نفسه في صبيحة يوم العاشر، الكل يمشون «حفاة» وعند الظهر يوزع طعام الغداء في بيت المرحوم الحاج داخل آل باقر وفي الصوب الصغير يكون الغداء في بيت الحاج داخل آل عودة، وفي عصر اليوم نفسه، يفتح المرحوم سيد كاظم الخباز وأخوه المرحوم سيد رحيم الخباز أفرانهم اذ، يوزع الخبز الحار مجاناً
وثَواباً».
