تصاعد التوترات بين تركيا وإسرائيل في ظل تنافسهما على النفوذ الإقليمي
تتصاعد التوترات بين تركيا وإسرائيل مع تنافس اثنتين من أقوى القوى العسكرية في الشرق الأوسط على النفوذ الإقليمي، حيث أبرزت الضربة الإسرائيلية الأخيرة على قاعدة جوية سورية الخطر المتزايد لانتقال العداء السياسي إلى مواجهة عسكرية.
وفقا لتقرير نيويورك تايمز، تدهورت العلاقات بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشكل حاد.
فقد وصف أردوغان إسرائيل بأنها “دولة إرهابية” وشبه نتنياهو بهتلر، بينما وصف نتنياهو أردوغان بأنه “ديكتاتور معادٍ للسامية”. وتبادل مسؤولون من كلا الحكومتين اتهامات متزايدة الحدة.
ورغم هذا الخطاب، لا تزال الدولتان حليفتين للولايات المتحدة وتحافظان على علاقات وثيقة مع إدارة ترامب.
الضربة الإسرائيلية في سوريا تزيد من حدة التوترات
اتخذ التنافس منحىً أكثر خطورة عندما قصفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال سوريا الأسبوع الماضي.
وقال مسؤولون إسرائيليون إن الهجوم كان يهدف إلى منع انتشار عسكري تركي وشيك. نفت تركيا وسوريا وجود أي تخطيط لنشر قوات عسكرية، ولم ترد أنباء عن وقوع وفيات.
انتقد السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص توم باراك الضربة ووصفها بأنها “تصعيد غير مبرر”، وحثّ الحكومتين على العودة إلى الحوار.
يحذر المحللون من أنه في حين أن الحرب المباشرة لا تزال مستبعدة، فإن العمليات العسكرية المحدودة التي تهدف إلى توجيه رسائل سياسية قد تزيد من خطر سوء التقدير.
حرب غزة تُغيّر العلاقات التركية الإسرائيلية
حافظت تركيا وإسرائيل على علاقات دبلوماسية وتجارية لعقود. وكانت تركيا أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل بعد تأسيسها عام 1948.
تدهورت العلاقات بشكل كبير بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 الذي قادته حماس، والذي أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص في إسرائيل، والحرب الإسرائيلية اللاحقة على غزة.
اتهم مسؤولون أتراك إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية بسبب حملتها العسكرية. وتقول السلطات الصحية في غزة إن نحو 73 ألف شخص قُتلوا، بينهم عشرات الآلاف من النساء والأطفال، بالإضافة إلى عدد غير مُعلن من المسلحين.
كما أعلن أردوغان دعمه العلني لحماس، التي تصنفها إسرائيل والولايات المتحدة وحكومات أخرى منظمة إرهابية.
سوريا تتحول إلى بؤرة توتر خطيرة
أدى سقوط بشار الأسد في أواخر عام 2024 إلى خلق مصدر رئيسي آخر للتوترات بين تركيا وإسرائيل.
دعمت تركيا الحكومة السورية الجديدة برئاسة الرئيس أحمد الشرع، وقدمت مساعدات دبلوماسية وعسكرية بهدف تحقيق الاستقرار في البلاد.
اتخذت إسرائيل نهجًا مختلفًا تمامًا. فبعد إزاحة الأسد، دمرت القوات الإسرائيلية، لعدم ثقتها بالقيادة السورية الجديدة، جزءًا كبيرًا من المعدات العسكرية السورية واحتلت أراضٍ في جنوب سوريا، مبررة ذلك بضرورة منع التهديدات الأمنية.
لذا، يتبنى البلدان رؤيتين مختلفتين جذريًا لسوريا.
تفضل تركيا دولة سورية مستقرة ومركزية. بينما يرى المحللون أن إسرائيل تفضل سوريا ضعيفة عسكريًا ولا مركزية، غير قادرة على تهديد الأراضي الإسرائيلية.
عزز نتنياهو موقف إسرائيل بعد الغارة الجوية الأخيرة، مصرحًا بأن حكومته لن تقبل بامتداد الوجود العسكري التركي جنوبًا في سوريا.
يتسع نطاق التنافس ليشمل مناطق أخرى خارج الشرق الأوسط
يتزايد التنافس بين أنقرة والقدس ليمتد إلى القرن الأفريقي وشرق المتوسط.
تحافظ تركيا على علاقات دبلوماسية وعسكرية واسعة مع الصومال. في المقابل، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بمنطقة أرض الصومال الانفصالية في ديسمبر 2025، وهو قرار ندد به أردوغان ووصفه بأنه “غير قانوني وغير مقبول”.
في شرق المتوسط، عززت إسرائيل التعاون الدفاعي والطاقي مع اليونان وقبرص، اللتين تربطهما بتركيا نزاعات تاريخية.
ردت تركيا بتعزيز شراكات إقليمية أخرى. هذا الشهر، وقعت أنقرة اتفاقية دفاع مشترك مع السعودية وباكستان، قال محللون إنها تهدف جزئيًا إلى موازنة النفوذ الإسرائيلي.
تركيا تسعى لاعتقال نتنياهو
تصاعدت التوترات الدبلوماسية بعد يومين من الغارة الجوية على سوريا، عندما أعلنت تركيا عزمها على طلب اعتقال نتنياهو عبر الإنتربول.
يتعلق الطلب بادعاءات تشمل الإبادة الجماعية والتعذيب في قضية داخلية تركية تتعلق بمعاملة إسرائيل لنشطاء مؤيدين للفلسطينيين تم اعتراضهم في البحر أثناء توجههم إلى غزة.
يعمل المسؤولون الأمريكيون منذ ذلك الحين على إعادة التواصل بين الحكومتين.
لا يزال اندلاع حرب مباشرة أمراً مستبعداً، لكن المخاطر تتزايد
لا يبدو أن تركيا أو إسرائيل تسعيان إلى صراع عسكري مباشر.
يمتلك كلا البلدين قوات مسلحة قوية، ويربطهما علاقات وثيقة مع واشنطن، ولدى الولايات المتحدة مصلحة استراتيجية بالغة في منع اثنين من شركائها الإقليميين من الدخول في صراع مفتوح.
لكن مصالحهما تتعارض بشكل متزايد.
تُشكّل سوريا الخطر الأكبر والأكثر إلحاحًا، إذ يُمكن لقواتٍ تابعةٍ لكلا البلدين أن تعمل على الأراضي نفسها. وتُضيف تحالفاتهما المتنافسة في شرق المتوسط والقرن الأفريقي مزيدًا من التوتر.
لذا، قد لا يكمن الخطر الرئيسي المُحيط بالتوترات التركية الإسرائيلية في قرارٍ مُتعمّدٍ بالحرب، بل في أن الخطاب العدائي المُتزايد، والانتشار العسكري، والضربات المحدودة، قد تُؤدي إلى مواجهةٍ لم تكن أيٌّ من الحكومتين تتوقعها
