من الحبشة إلى لاهاي... هكذا تصنع الهجرة رسالةً، ويصنع الولاء هويةً
لم تكن الهجرة في التاريخ الإسلامي مجرد انتقالٍ من أرضٍ إلى أرض، بل كانت انتقالاً للقيم والأخلاق والرسالة. فمنذ أن هاجر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الحبشة، حملوا معهم صدق الإيمان وحسن الخلق، فكانوا خير سفراء للإسلام بين أهل تلك البلاد، حتى تركوا أثراً طيباً في المجتمع الذي احتضنهم، وأثبتوا أن السلوك الحسن أبلغ بكثير من الكلمات والخطب.
ثم توالت الهجرات عبر القرون، فانتشر أتباع أهل البيت عليهم السلام في بقاعٍ متعددة من العالم، من أفريقيا إلى مصر والمغرب العربي وسواها، حاملين معهم مبادئ الرحمة والتكافل والإحسان. ولم يكن تأثيرهم قائماً على القوة أو النفوذ، بل على الأخلاق الرفيعة، وخدمة الناس، ومواساة المحتاجين، وبناء جسور المحبة والتعايش مع المجتمعات التي عاشوا فيها.
واليوم تتجدد هذه الصورة المشرقة في بلاد المهجر، حيث يواصل أبناء الجاليات الإسلامية أداء رسالتهم الحضارية والإنسانية، محافظين على هويتهم الدينية، ومنفتحين في الوقت نفسه على مجتمعاتهم الجديدة بروح الاحترام والعطاء.
وما شهدته مدينة لاهاي الهولندية في المسيرة العاشورائية الكبرى إلا نموذجاً حياً لهذا الامتداد التاريخي المبارك. فقد لبّى النداء أبناء الجالية من مختلف المدن الهولندية، ومن شمال البلاد إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، ليجتمعوا تحت راية الإمام الحسين عليه السلام، مجددين العهد والولاء لسيد الشهداء.
ولم تكن المسيرة مجرد تجمعٍ بشري، بل لوحة إيمانية وإنسانية متكاملة، جسّدت حضور الأجيال كافة؛ من الجيل الأول الذي حمل معه ذكريات الوطن، إلى الجيل الثاني والثالث الذين وُلدوا وترعرعوا في أوروبا، لكنهم حافظوا على ارتباطهم العميق بقضية الإمام الحسين عليه السلام وقيمه الخالدة.
وفي مشهدٍ لافت يعكس روح العطاء الحسيني، شارك الأطفال في توزيع الحلوى على المشاركين، فيما تولّى الشباب تقديم الفواكه والطعام والسندويشات، وسارع الكبار إلى توزيع الماء والمشروبات على السائرين. الجميع كان يخدم، والجميع كان يعطي، والجميع كان يبحث عن فرصةٍ للمساهمة في هذا العرس الحسيني الكبير.
كما انتشرت الخيام والمواكب على امتداد المسيرة، وهي تقدّم مختلف أنواع الضيافة والطعام تبركاً بذكرى شهادة أبي الأحرار الإمام الحسين عليه السلام، في صورةٍ تجسد أسمى معاني الكرم والتكافل والتعاون.
هذا العطاء المبارك لم يكن طلباً لمنفعةٍ أو مكسب، ولم يكن وراءه هدفٌ دنيوي، بل كان تعبيراً صادقاً عن الحب والولاء والمودة لأهل البيت عليهم السلام، وترجمةً عملية لشعارٍ صدح به الجميع في شوارع لاهاي:
لَبَّيْكَ يَا حُسَيْن… لَبَّيْكَ يَا حُسَيْن… لَبَّيْكَ يَا حُسَيْن.
وأمام أنظار المجتمع الهولندي والمارة من مختلف الجنسيات والثقافات، قدّم أبناء الجالية صورةً حضاريةً مشرقة عن الإسلام المحمدي الأصيل، وعن مدرسة الإمام الحسين عليه السلام التي لا تزال، بعد أكثر من أربعة عشر قرناً، قادرةً على جمع القلوب، وإحياء القيم، وصناعة الإنسان.
إنها رسالة الهجرة نفسها التي بدأت في الحبشة قبل قرون طويلة، وما زالت مستمرةً حتى اليوم؛ رسالةٌ عنوانها الأخلاق، ومضمونها العطاء، وشعارها الولاء للحق والإنسانية.
محمد الناصري
لاهاي – هولندا
محرم الحرام 1448هـ
