ما وراء إلغاء أستراليا لصفقة الغواصات مع فرنسا؟
يبدو ان ادارة الرئيس الامريكي جو بايدن لا تختلف كثيرا عن ادارة الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب، ازاء الصين، فكلا الادارتين، تتبعان سياسة متصلبة ازاء الصين، حول زعامة العالم، مع وجود فرق وحيد، وهو ان ادارة بايدن لا تستخدم الخطاب السوقي لترامب، بل تحاول ان تستخدم لغة دبلوماسية محترمة بعيدة عن الاستفزاز.
تصلب بايدن مع الصين لا يقل عن تصلب ترامب، وما قضية الغاء أستراليا اتفاق بمليارات الدولارات لشراء غواصات فرنسية من أجل اتفاق بديل مع الولايات المتحدة وبريطانيا، إلا جانبا من هذا التصلب الامريكي، الذي يشير الى ان امريكا ماضية في مواجهة القوة المتنامية والمندفعة للصين، حتى لو كلفها ذلك علاقاتها التقليدية مع اوروبا.
أستراليا، ستبني بموجب شراكتها الأمنية الثلاثية الجديدة، ما لا يقل عن ثماني غواصات تعمل بالطاقة النووية باستخدام تكنولوجيا أمريكية وبريطانية. وكانت الصفقة الملغاة، التي أبرمتها مع شركة نافال جروب الفرنسية عام 2016، تتعلق بأسطول من الغواصات التقليدية.
يرى المراقبون، ان انقلاب استراليا على فرنسا، حصل بعد ان تيقنت امريكا ان اوروبا وخاصة فرنسا والمانيا غير متحمستين للانخراط في المجهود الامريكي لمواجهة الصين، فاوروبا ليست لديها قلق امريكا ازاء الصين، ولا كذلك قلق استراليا ازاء الصين، لذا لجأت امريكا الى استراليا، والى حليفتها التقليدية بريطانيا، من اجل تشكيل تحالف لمواجهة الصين، قد ينضم اليه لاحقا اليابان ونيوزلندا وحتى كندا.
يبدو ان مسعى امريكا لتهدئة غضب فرنسا، عضو حلف شمال الأطلسي، فشل، وبان ذلك من خلال استدعاء باريس سفيريها لدى واشنطن وكانبيرا للتشاور، وكذلك من خلال تصريحات المتحدث باسم لخارجية الفرنسية جابرييل أتال، التي كشف فيها عن ان الرئيس الفرنسي امانويل ماكرون سيتصل هاتفيا بالرئيس الامريكي بايدن للحصول منه على توضيح بشأن تراجع أستراليا عن صفقة الغواصات، وانه يجب إجراء مناقشات بخصوص بنود العقد، لا سيما تعويض الجانب الفرنسي.
في المقابل يبدو ان استراليا، غير مبالية بالغضب الفرنسي، كما ظهر ذلك في تصريحات رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون ، الذي قال:”لا أندم على قرار يضع المصلحة الوطنية لأستراليا في الصدارة.. واتفهم خيبة أمل فرنسا إزاء إلغاء الصفقة، الذي قُدرت قيمتها بنحو 40 مليار دولار عام 2016 .. الا ان أستراليا يجب أن تتخذ دائما القرارات الأفضل لمصالحها”.
وكشف موريسون، عن انه شخصيا يقف وراء الغاء الصفقة، حيث قال ما نصه: “هذه قضية أثرتها شخصيا وبشكل مباشر منذ بضعة أشهر، وواصلنا الحديث عن هذه القضايا في غضون ذلك عبر وزيري الدفاع وغيرهما”.
من الواضح ان اوروبا سوف لن تترك فرنسا وحيدة في مواجهة التحالف الامريكي البريطاني الاسترالي، فمن المؤكد ان قادة الاتحاد الأوروبي سيناقشون القضية في قمتهم في سلوفينيا في أكتوبر/ تشرين الأول القادم، وسيعملون على اظهار وحدتهم، وهي وحدة لطالما دعت فرنسا الى دعمها، وهو ما ظهر جليا، من اصرار ماكرون، ومنذ فترة طويلة، ان يكون لاوروبا قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي، على الرغم من أن العديد من دول الاتحاد الأوروبي مترددة في إضعاف الروابط الأمنية مع الولايات المتحدة.
يبدو ان الهواجس الاقتصادية، أصبح لها الدور الاكبر في تحديد ملامح التحالفات الدولية، وليس الهواجس الامنية او الايديولوجية، فهذه وزيرة الخارجية البريطانية الجديدة ليز تروس، تنشر مقالا قالت فيه:”ان دور بريطانيا في الشراكة الثلاثية يظهر استعدادها لأن تكون صلبة في الدفاع عن مصالحها بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، ويبين كذلك التزام بريطانيا بالأمن والاستقرار في منطقة المحيطين الهندي والهادي”.
ما يجري من صراع بين امريكا والصين على زعامة العالم، وتداعيات هذا الصراع على الحلفاء التقليديين للقوتين العظميين في العالم، قد يؤسس لنظام عالمي جديد، يقلب خارطة التحالفات التقليدية، والتي كانت نتاجا للحرب العالمية الثانية.
*فيروز بغدادي
